الوفاء للشهداء: حمل على عواتق الأجيال

 

استيقظ الشعب الصحراوي يوم الفاتح من أبريل الجاري على خبر حزين واليم، تمثل في رحيل احد أبناءه الافذاذ، بعد صراع طويل مع مرض عضال، الا وهو الشهيد أمحمد خداد موسى، القيادي المخضرم، والسياسي المحنك والديبلوماسي الخبير، وصاحب القدرة الفائقة على التحليل والتصور، والذي حمل على عاتقه إدارة ملفات ثقيلة وحساسة، وكان اهلا لها. و

صعدت نفس الشهيد إلى بارئها، راضية عن ما بذلته من جهد، بإخلاص وصبر وتفاني، وما قدمته من عطاء دون انتظار شكر ولا ثناء من احد سوى احتسابها حية عند الخالق وان تزفها الملائكة إلى الفردوس الاعلى مع النبيين والصديقين والصالحين وحسن أولئك رفيقا.

ان قوة الشعوب تكمن في عظمة ملاحمها البطولية وفي جسامة تضحياتها، وما قدمه الشعب الصحراوي من تضحيات وعطاءات وما صنع من مجاد في سبيل تحرير الإنسان والأرض جعله من اوائل هذه الشعوب في التحدي وقوة العزيمة والارادة والصمود المنقطع النظير.

والشهادة هي ميزة من ميزات الشعب الصحراوي، التي لطالما تسابق اليها أبنائه عبر العصور، من أجل شيء واحد الا وهو الذود عن الوطن والطموح إلى أعلى الدرجات.

هذا الشعب هو الذي انجب مقاتلون بواسل، لا يعرفون الخوف ولا الاستسلام، صنعوا أعظم الملاحم البطولية التي رسمت بأحرف من ذهب في التاريخ المعاصر، وهذا الشعب هو الذي انجب اسودا ولبؤات أبدعوا في النضال السلمي بصدورهم العارية وكسروا الأغلال بقوة ايمانهم، هذا الشعب هو الذي لازال صامدا، شامخا، لم ينقطع امله يوما في ان يأتي اليوم الذي فيه يعيش حرا على وطنه الحر. ولا غرابة في ان ينجب الشعب الصحراوي زعماء كانوا ظاهرة فريدة من نوعها في الوطنية، الحكمة، التحدي، الاخلاص والوفاء، واستطاعوا ان ينالوا ثقة الجماهير.

من ما لا يتذكر ابن الشعب الصحراوي الفقيد محمد سيد ابراهيم بصيري، ذلك الشاب الذي أسس للوعي الجماهيري، في ظروف جد معقدة، وزرع الثقة في نفوسها من اجل رفع التحدي، ايمانا منه ان القمع والسجن، لن يطفيان نار الثورة اذا اشتعلت مادام الشعب الصحراوي، صاحب الحق المشروع، لا ينعم بالعيش الكريم كباقي شعوب المعمورة.

الشعب الصحراوي هو الذي انجب الشاب المفكر والعنيد الشهيد الولي مصطفى السيد، مفجر ثورة العشرين ماي وقائدها، الذي تجسدت مقولته “ان الثورة في الساقية الحمراء ووادي الذهب أعلنت على أشياء حتمية الوقوع وليس على أشياء موجودة بالفعل” التي عكست قوة ايمانه ابن الشعب الصحراوي، رغم قلة عدده ومحدودية امكانياته، يمتلك من المقدرات اللامتناهية ما يجعله قادرا على تحقيق أهدافه المنشودة والخلود في التاريخ.

والشعب الصحراوي هو من انجب الشهيد القائد محمد عبد العزيز، رجل الحرب والسلم، الرجل الذي حافظ على وحدة وتماسك الشعب الصحراوي وتثبيت اشرعة سفينة كفاحنا امام الرياح التي عصفت بشعوب ودول، الرجل الذي أرسى مؤسسات الدولة الصحراوية، دولة كل الصحراويين، التي أصبحت اليوم حقيقة لا رجعة فيها.

انه الشعب الصحراوي ايضا الذي انجب قيادات تركت بصمات خالدة على مسيرتنا النضالية امثال المحفوظ اعلي بيبا، الخليل سيدامحمد ، البخاري احمد، ليلتحق الشهيد امحمد خداد بركب هؤلاء الذين ترك رحيلهم جميعا ثغرة كبيرة في الحنكة والخبرة.

انهم شهداءنا، محل الفخر والاعتزاز، هم القدوة وهم المثال الذي نقتدي به، هم الشمس التي تضيء طريقنا. لقد اعطونا دروسا لامثيل لها في الشجاعة ونكران الذات وتحدي الصعاب وصنع المستحيل، مما يتوجب علينا ان نجعلهم نياشين على صدورنا، نجعلهم يقيمون في كل لحظة في قلوبنا، في وجداننا، في ممارساتنا، في حاضرنا وفي مستقبلنا.

وكما قال الله جل وعلا في محكم كتابه بعد بسم الله الرحمن الرحيم ” من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا” صدق الله العظيم ،ها هم هؤلاء الشهداء رحلوا عنا بعدما ادوا ما عليهم، تاركين الحمل على عواتق الباقين وما نبدلوا تبديلا مثلما هم لم يبدلوه، وان نصون العهد كما صانوه هم من قبلنا، في السير على طريق تحقيق أهداف شعبنا في الحرية والاستقلال. صحيح ان المسؤولية ثقيلة، والارث كبير، لكن ما دام الشعب الذي انجب هؤلاء الشهداء موجودا فبالتأكيد انه سينجب اجيالا تكون خير خلف لخير سلف.

رحم الله الشهداء واسكنهم فسيح جناته. انا لله وانا اليه راجعون.

بقلم السفير الصحراوي والكاتب الديش محمد الصالح

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *